حسن بن عبد الله السيرافي
300
شرح كتاب سيبويه
تجوّز سيبويه في عبارته عن جزم هذه الأشياء ، فأوهم أن هذه الأشياء هي الجازمة لما بعدها ، كما أن حرف الشرط وفعله هو الجازم للجواب ، وذلك قولك : وإنما انجزم هذا الجواب ، كما انجزم جواب : إن تأتني بأن تأتني لأنهم جعلوه معلقا بالأول غير مستغن عنه الأول ، إذا أرادوا الجزاء ، كما إن تأتني غير مستغنية . عن آتك . قال أبو سعيد : وهذا من سيبويه مسامحة في اللفظ ، واتساع كما اتسع في نصب الظرف ، فقال في نحو قولك : زيد خلفك ، نصب بما قبله والحقيقة فيه أن الناصب هو ( استقر ) ، ثم حكى عن الخليل ما يدل على حقيقة الناصب ، وهو قوله وزعم الخليل أن هذه الأوائل كلها فيها معنى ( إن ) فلذلك انجزم الجواب ، لأنه إذا قال : ائتني آتك ، فإن معنى كلامه : إن يكن منك إتيان وما بعده جوابه . وقول اللّه - تبارك وتعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ " 1 " . إلى قوله - عز وجل - : يَغْفِرْ لَكُمْ " 2 " أما قوله - عز وجل - : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " 3 " . فهو تفسير للتجارة على معناها لا على لفظها ولو فسرها على لفظها لقال : هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم أن تؤمنوا باللّه ، لأن قوله : أن تؤمنوا اسم وتجارة اسم ، والاسم يبدل من الاسم ، ويقع موقعه ، وقوله : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ الصف : 11 ] كلام قائم بنفسه وفيه دلالة على المعنى المراد بالتجارة ، وهو الإيمان والجهاد لأن تؤمنون يدل على الإيمان ، وتجاهدون يدل على الجهاد لأنهما مصدرهما ؛ ومثله في الكلام على الوجهين ، هل لك في خير تقوم بنا إلى المسجد فنصلّي ، ولو قلت : أن تقوم إلى المسجد كان صوابا ، ومثله مما فسر ما قبله على الوجهين : قوله - عز وجل - : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ " 4 " ( إنا وأنا ) " 5 " فمن قال : أنّا هاهنا ، فهو الذي يدخل ( أن ) في تقوم ، لأن أن وما بعدها بمنزلة اسم يكون بدلا من الاسم الذي قبله ، ومن قال : إنّا فهو الذي يلغي ( أن ) من تقوم ، لأنه إذا قال : إنا
--> ( 1 ) سورة الصف ، الآية : 10 . ( 2 ) سورة الصف ، الآية : 12 . ( 3 ) سورة الصف ، الآية : 11 . ( 4 ) سورة عبس ، الآية : 24 . ( 5 ) من قول اللّه تعالى في الآية : 25 " إنا صببنا الماء صبا " .